زيت جوز الهند: صحي أم ضار؟
زيت جوز الهند أصبح نجماً في عالم الصحة، لكن الجدل العلمي حوله مستمر. هل هو سوبرفود فعلاً، أم مجرد دهون مشبعة مضرة بالقلب؟
المقدمة: من النجومية إلى الجدل
زيت جوز الهند كان في كل مكان خلال السنوات الماضية: في القهوة، في الطبخ، على البشرة، حتى كمعجون أسنان. وصفوه بـ "سوبرفود" و"معجزة طبيعية" و"أصح زيت على الكوكب". ثم جاءت جمعية القلب الأمريكية في 2017 بتقرير يحذر من زيت جوز الهند لأنه يرفع الكوليسترول الضار.
من نصدق؟ دعونا نغوص في العلم الحقيقي، بعيداً عن المبالغات التسويقية.
ما هو زيت جوز الهند؟
زيت جوز الهند يُستخرج من لب جوز الهند الناضج. يتميز بأنه:
- صلب في درجة حرارة الغرفة (أقل من 24°C)
- غني جداً بالدهون المشبعة - حوالي 82%، أعلى حتى من الزبدة (63%)
- يحتوي بشكل أساسي على دهون متوسطة السلسلة (MCTs)
أنواع زيت جوز الهند1. زيت جوز الهند البكر (Virgin/Extra Virgin)
- يُستخرج من جوز الهند الطازج بالضغط البارد
- يحتفظ برائحة ونكهة جوز الهند
- يحتوي على مضادات أكسدة أكثر
- يُستخرج من لب جوز الهند المجفف (كوبرا)
- يُكرر ويُبيّض ويُزال منه الرائحة
- نقطة دخان أعلى (232°C مقابل 177°C للبكر)
- أقل في مضادات الأكسدة
الادعاءات الشائعة: حقيقة أم خيال؟
الادعاء الأول: زيت جوز الهند يساعد على فقدان الوزنالأساس النظري
زيت جوز الهند يحتوي على MCTs (Medium-Chain Triglycerides) - دهون متوسطة السلسلة تُهضم بشكل مختلف عن الدهون طويلة السلسلة:
- تذهب مباشرة للكبد لتُحوّل لطاقة
- أقل احتمالاً للتخزين كدهون
- قد تزيد معدل الأيض قليلاً
دراسة في European Journal of Clinical Nutrition (2015) راجعت 13 تجربة سريرية ووجدت أن زيت MCT (المعزول، وليس زيت جوز الهند العادي) أدى إلى فقدان وزن بسيط جداً (0.5 كغ إضافية) مقارنة بزيوت أخرى - لكن فقط عند استخدامه بدلاً من دهون أخرى، وليس بالإضافة إليها.
المشكلة: زيت جوز الهند يحتوي فقط على 15% حمض كابريليك وكابريك (MCTs حقيقية)، و50% منه حمض لوريك (12 كربون) الذي يتصرف أكثر كدهون طويلة السلسلة.
الخلاصة: لا يوجد دليل قوي على أن زيت جوز الهند العادي يساعد في فقدان الوزن. الكثيرون يضيفونه لقهوتهم أو طعامهم (120 سعرة لكل ملعقة طعام) ويتفاجؤون من زيادة وزنهم.
الادعاء الثاني: زيت جوز الهند يحسن صحة القلبالأساس النظري
المدافعون يقولون: حمض اللوريك (50% من زيت جوز الهند) يرفع الكوليسترول الجيد HDL، وهذا يحمي القلب.الحقيقة العلمية
دراسة شاملة نُشرت في Circulation (2017) من جمعية القلب الأمريكية راجعت كل الأبحاث وخلصت إلى:
- زيت جوز الهند يرفع الكوليسترول الضار LDL بنسبة مشابهة للزبدة وزيت النخيل
- نعم، يرفع أيضاً HDL الجيد، لكن الأثر الصافي ليس واضحاً
- لا توجد دراسات طويلة المدى تُظهر أن زيت جوز الهند يقلل من أمراض القلب
دراسة في BMJ Open (2020) قارنت زيت جوز الهند بزيت الزيتون والزبدة:
- زيت جوز الهند رفع LDL (الضار) أكثر من زيت الزيتون بنسبة 10%
- لكنه رفع HDL (الجيد) أيضاً
الخلاصة: لا يوجد دليل على أن زيت جوز الهند يحسن صحة القلب. الأدلة تشير إلى أنه أسوأ من الزيوت غير المشبعة (زيتون، أفوكادو، جوز) وليس أفضل من الزبدة.
الادعاء الثالث: زيت جوز الهند يحارب البكتيريا والفطرياتالحقيقة العلمية
هذا صحيح جزئياً:
- حمض اللوريك وحمض الكابريليك لهما خصائص مضادة للميكروبات في المختبر
- دراسات أظهرت فعالية ضد Candida albicans (فطريات) وStaphylococcus aureus (بكتيريا)
لكن:
- معظم الدراسات في أنابيب الاختبار أو على حيوانات
- لا يوجد أدلة كافية على فعاليته كعلاج للعدوى في البشر عند تناوله
- استخدامه موضعياً على الجلد قد يكون مفيداً لبعض الحالات
الادعاء الرابع: زيت جوز الهند يحسن وظائف الدماغ ويحارب الزهايمرالأساس النظري
MCTs تُحوّل في الكبد إلى كيتونات، والتي يمكن أن تكون مصدر طاقة بديل للدماغ. في مرضى الزهايمر، الدماغ يفقد القدرة على استخدام الجلوكوز بكفاءة.الحقيقة العلمية
دراسة في Journal of Alzheimer's Disease (2018) أعطت مرضى زهايمر مكملات MCT (وليس زيت جوز الهند العادي) ووجدت تحسناً طفيفاً في بعض اختبارات الذاكرة، لكن:
- التحسن كان مؤقتاً وصغيراً
- استخدموا MCT oil مركّز، وليس زيت جوز الهند العادي
- لا يوجد دليل على أنه يمنع أو يعالج الزهايمر
الخلاصة: الأبحاث مبكرة جداً. لا تستبدل العلاجات الطبية بزيت جوز الهند.
زيت جوز الهند والكوليسترول: الحقيقة الكاملة
ماذا تقول الدراسات؟
مراجعة في Nutrition Reviews (2016) حللت 21 دراسة:
- زيت جوز الهند رفع الكوليسترول الكلي
- رفع LDL (الضار) بمعدل 10.5 mg/dL
- رفع أيضاً HDL (الجيد) بمعدل 4 mg/dL
لكن - وهذا مهم - رفع LDL أكثر من رفع HDL، وهذا ليس جيداً لصحة القلب.
مقارنة مع زيوت أخرى
الزيتدهون مشبعةالتأثير على LDLزيت جوز الهند82%يرفعزبدة63%يرفعزيت زيتون14%يخفض أو محايدزيت أفوكادو12%يخفضزيت كانولا7%يخفض
متى يمكن استخدام زيت جوز الهند؟
في الطبخ
- للقلي العميق: نقطة دخان عالية (خاصة المكرر)
- للنكهة: في الأطباق الآسيوية والكاري حيث نكهته مرغوبة
- في الحلويات النباتية: كبديل للزبدة في الوصفات الخالية من منتجات الحيوان
لكن ليس كزيت يومي للطبخ العادي - استخدم زيت الزيتون أو الأفوكادو بدلاً منه.
للاستخدام الخارجي
هنا زيت جوز الهند جيد فعلاً:
- مرطب للبشرة: فعال ومغذي، خاصة للبشرة الجافة جداً
- للشعر: يقلل فقدان البروتين من الشعر عند استخدامه كقناع
- مزيل مكياج طبيعي
تحذير: قد يسبب انسداد المسام عند بعض الأشخاص (comedogenic).
توصيات المنظمات الصحية الكبرى
جمعية القلب الأمريكية (AHA)
توصي بتقليل الدهون المشبعة (بما فيها زيت جوز الهند) إلى أقل من 6% من السعرات اليومية، واستبدالها بدهون غير مشبعة.
منظمة الصحة العالمية (WHO)
توصي بتقليل الدهون المشبعة إلى أقل من 10% من السعرات، واستبدالها بدهون غير مشبعة لتقليل خطر أمراض القلب.
جمعية التغذية البريطانية
تنصح بعدم استخدام زيت جوز الهند كزيت يومي، والتركيز على زيت الزيتون والزيوت النباتية الأخرى.
البدائل الأفضل
للطبخ اليومي
- زيت الزيتون البكر: للسلطات والطبخ على حرارة متوسطة
- زيت الأفوكادو: نقطة دخان عالية جداً، مثالي للقلي
- زيت بذور العنب: نكهة محايدة، جيد للطبخ
للفوائد الصحية
- زيت الزيتون البكر الممتاز: مضادات أكسدة قوية، مثبت علمياً لصحة القلب
- زيت بذور الكتان: غني بأوميغا-3، لكن لا يُسخّن
- زيت الجوز: نكهة مميزة، جيد للسلطات
نصائح د. مي عبيد الذهبية
- لا تجعله زيتك الأساسي: استخدمه أحياناً للنكهة أو في وصفات معينة، لكن ليس يومياً
- إذا كان لديك تاريخ عائلي مع أمراض القلب: تجنبه، أو استخدمه نادراً جداً
- لا تضفه لقهوتك يومياً: 120 سعرة إضافية كل صباح = زيادة وزن تدريجية
- اختر البكر على المكرر: إذا اضطررت للاستخدام، البكر أفضل غذائياً
- استخدمه خارجياً بثقة: للبشرة والشعر، فوائده مثبتة أكثر
- التنوع دائماً: نوّع بين زيوت مختلفة، لا زيت واحد مثالي لكل شيء
الخلاصة
زيت جوز الهند ليس الشيطان الذي تصوره بعض المقالات، لكنه بالتأكيد ليس السوبرفود المعجزة الذي تروج له صناعة التسويق.
الحقيقة البسيطة: هو دهون مشبعة ترفع الكوليسترول الضار، ولا توجد أدلة علمية قوية على فوائده الصحية الخارقة. الاستخدام المعتدل والعرضي مقبول، لكن الاعتماد عليه كزيت يومي ليس الخيار الأفضل لصحة قلبك.
زيت الزيتون البكر وزيت الأفوكادو يبقيان الخيارات الذهبية المدعومة بأبحاث قوية لصحة القلب والأوعية الدموية.
د. مي عبيد
أخصائية تغذية سريرية
أخصائية تغذية سريرية معتمدة مع أكثر من 15 عامًا من الخبرة في مساعدة الناس على تحسين صحتهم من خلال التغذية السليمة والعلاجية.
هل تحتاج استشارة تغذية مخصصة؟
احجز استشارة مع الدكتورة ماي عبيد للحصول على خطة غذائية مخصصة لحالتك الصحية
تواصل عبر الواتساب