حمض الفوليك: أهميته قبل وأثناء الحمل
المكملات

حمض الفوليك: أهميته قبل وأثناء الحمل

د. مي عبيد أخصائية تغذية سريرية 9 دقائق قراءة ٢٨ يناير ٢٠٢٦

لماذا يُعتبر حمض الفوليك أهم مكمل غذائي للمرأة في سن الإنجاب؟ دليل شامل عن الجرعة المناسبة ودوره في منع التشوهات الخلقية

ما هو حمض الفوليك؟

حمض الفوليك (Folic Acid) هو الشكل الصناعي من فيتامين ب9 (Vitamin B9)، بينما الفولات (Folate) هو الشكل الطبيعي الموجود في الأطعمة. كلاهما يؤدي نفس الوظائف في الجسم، لكن حمض الفوليك في المكملات أكثر استقراراً وأسهل امتصاصاً بنسبة تصل إلى 85%، مقارنة بـ 50% للفولات الطبيعي من الطعام.

حمض الفوليك فيتامين قابل للذوبان في الماء يلعب دوراً حيوياً في العديد من وظائف الجسم، لكن أهميته الأكبر تكمن في دوره الأساسي في تكوين الحمض النووي DNA، انقسام الخلايا، وإنتاج خلايا الدم الحمراء. هذه الوظائف حاسمة بشكل خاص أثناء فترات النمو السريع مثل الحمل والطفولة.

لماذا حمض الفوليك بالغ الأهمية أثناء الحمل؟

1. الوقاية من عيوب الأنبوب العصبي (Neural Tube Defects)

هذه هي الفائدة الأكثر أهمية وإثباتاً علمياً. الأنبوب العصبي هو الهيكل الذي يتطور ليصبح دماغ الطفل والحبل الشوكي، ويتكون في الأسابيع الأولى من الحمل (عادةً الأسابيع 3-4)، غالباً قبل أن تعرف المرأة أنها حامل.

نقص حمض الفوليك خلال هذه الفترة الحاسمة يمكن أن يؤدي إلى فشل إغلاق الأنبوب العصبي بشكل صحيح، مما يسبب عيوباً خلقية خطيرة:

  • السنسنة المشقوقة (Spina Bifida): حالة لا يغلق فيها العمود الفقري بشكل كامل، مما قد يسبب شللاً جزئياً أو كاملاً، مشاكل في المثانة والأمعاء، وصعوبات في التعلم
  • انعدام الدماغ (Anencephaly): حالة أكثر خطورة حيث لا يتطور الدماغ بشكل كامل، وهي قاتلة في معظم الحالات
  • القيلة الدماغية (Encephalocele): جزء من الدماغ يبرز خارج الجمجمة

الأدلة العلمية مذهلة: الدراسات أظهرت أن تناول حمض الفوليك قبل الحمل وخلال الأشهر الأولى يقلل من خطر عيوب الأنبوب العصبي بنسبة 50-70%. هذا اكتشاف طبي غيّر حياة ملايين الأطفال حول العالم.

2. الوقاية من عيوب خلقية أخرى

بالإضافة إلى عيوب الأنبوب العصبي، حمض الفوليك قد يساعد في تقليل خطر:

  • عيوب القلب الخلقية: بعض الدراسات أظهرت انخفاضاً بنسبة 25-30% في بعض أنواع عيوب القلب
  • الشفة الأرنبية والشق الحلقي: انخفاض طفيف في المخاطر
  • عيوب المسالك البولية
  • بعض عيوب الأطراف

3. الوقاية من مضاعفات الحمل

مستويات كافية من حمض الفوليك قد تقلل من خطر:

  • تسمم الحمل (Preeclampsia): حالة خطيرة تتميز بارتفاع ضغط الدم وتلف الأعضاء
  • الولادة المبكرة: بعض الأبحاث تشير إلى أن حمض الفوليك قد يقلل خطر الولادة المبكرة
  • نقص وزن الولادة
  • انفصال المشيمة
  • الإجهاض المتكرر: خاصة في النساء اللواتي لديهن مستويات مرتفعة من الهوموسيستين

4. دعم نمو الجنين السليم

  • ضروري لانقسام الخلايا السريع الذي يحدث أثناء نمو الجنين
  • مهم لتطور المشيمة بشكل صحيح
  • يدعم تكوين الحمض النووي للخلايا الجديدة
  • يساعد في تكوين خلايا الدم الحمراء للأم والجنين

متى يجب البدء بتناول حمض الفوليك؟

القاعدة الذهبية: ابدئي قبل الحمل!

هذه نقطة بالغة الأهمية: يجب أن تبدأ جميع النساء في سن الإنجاب (15-45 عاماً) بتناول حمض الفوليك قبل التخطيط للحمل بشهر على الأقل، ويُفضل قبل 2-3 أشهر. السبب:

  • الأنبوب العصبي يتكون في الأسابيع 3-4 من الحمل
  • معظم النساء لا يعرفن أنهن حوامل حتى الأسبوع 4-6
  • بحلول الوقت الذي تكتشف فيه المرأة الحمل، قد تكون الفترة الحرجة قد مرت
  • حوالي 50% من حالات الحمل غير مخطط لها

الإطار الزمني الموصى به:

  • قبل الحمل: ابدئي قبل شهر واحد على الأقل من محاولة الحمل (يُفضل 2-3 أشهر)
  • خلال الحمل: استمري حتى نهاية الشهر الثالث كحد أدنى (بعض الخبراء يوصون بالاستمرار طوال الحمل)
  • بعد الولادة: يُفضل الاستمرار خلال فترة الرضاعة لدعم تعافي الأم ونوعية حليب الثدي

الجرعة الموصى بها

للنساء في الخطر القياسي:

400 ميكروغرام (0.4 ملغ) يومياً

هذه الجرعة موصى بها من معظم المنظمات الصحية العالمية بما في ذلك منظمة الصحة العالمية، الكلية الأمريكية لأطباء النساء والولادة، ووزارات الصحة في معظم الدول.

للنساء في الخطر العالي:

5000 ميكروغرام (5 ملغ) يومياً

جرعة أعلى موصى بها للنساء اللواتي لديهن واحد أو أكثر من عوامل الخطر التالية:

  • تاريخ سابق لطفل بعيب أنبوب عصبي: خطر التكرار يتراوح بين 2-5%، والجرعة العالية تقلله بشكل كبير
  • تاريخ عائلي لعيوب الأنبوب العصبي: أحد الوالدين أو الأشقاء لديه تاريخ
  • تناول أدوية معينة: مثل أدوية الصرع (فالبرويك أسيد، كاربامازيبين)، الميثوتريكسات، بعض مضادات الملاريا
  • السكري (النوع 1 أو 2): خاصة إذا كان التحكم بالسكر غير جيد
  • السمنة المفرطة: مؤشر كتلة الجسم أكثر من 35
  • مرض الاضطرابات الهضمية (السيلياك) أو مرض كرون: يؤثران على امتصاص الفولات
  • طفرة جين MTHFR: تؤثر على قدرة الجسم على استقلاب الفولات

خلال الحمل بعد الشهر الثالث:

يمكن الاستمرار في 400 ميكروغرام يومياً، أو كما هو موجود في فيتامينات الحمل الشاملة.

مصادر حمض الفوليك والفولات

المكملات الغذائية (حمض الفوليك):

  • مكملات حمض الفوليك المنفردة: متوفرة بجرعات 400، 800، 5000 ميكروغرام
  • فيتامينات ما قبل الولادة: تحتوي عادةً على 400-800 ميكروغرام بالإضافة لفيتامينات ومعادن أخرى مهمة
  • فيتامينات متعددة يومية: معظمها يحتوي على 400 ميكروغرام

الأطعمة الغنية بالفولات الطبيعي:

رغم أهمية المكملات، تناول أطعمة غنية بالفولات جزء مهم من نظام غذائي صحي:

  • الخضروات الورقية الخضراء: السبانخ (263 ميكروغرام/كوب مطبوخ)، الهليون، الخس الروماني، البروكلي
  • البقوليات: العدس (358 ميكروغرام/كوب)، الحمص، الفاصوليا السوداء، الفول
  • الفواكه الحمضية: البرتقال (50 ميكروغرام/برتقالة)، الجريب فروت
  • الأفوكادو: (90 ميكروغرام/نصف حبة)
  • الحبوب المدعمة: الخبز، المعكرونة، الأرز المدعم بحمض الفوليك
  • البذور والمكسرات: بذور دوار الشمس، الفول السوداني
  • البيض: (22 ميكروغرام/بيضة)
  • الكبد: مصدر غني جداً (215 ميكروغرام/85 جرام) لكن يُنصح بتجنبه أثناء الحمل بسبب محتواه العالي من فيتامين A

ملاحظة مهمة: الفولات في الطعام يُدمَّر بسهولة بالحرارة والضوء. للحفاظ على أكبر قدر: تناول الخضروات نيئة أو مطهوة قليلاً على البخار، واحفظ الأطعمة بشكل صحيح.

لكن انتبهي: حتى مع نظام غذائي ممتاز، من الصعب الحصول على 400 ميكروغرام يومياً من الطعام فقط. لذلك المكملات ضرورية للنساء الحوامل أو اللواتي يخططن للحمل.

حمض الفوليك مقابل الميثيل فولات (Methylfolate)

هناك شكل آخر من فيتامين ب9 أصبح شائعاً: الميثيل فولات (L-methylfolate أو 5-MTHF)، وهو الشكل النشط من الفولات الذي يستخدمه الجسم مباشرة.

الفرق الرئيسي:

  • حمض الفوليك: شكل صناعي يحتاج إلى تحويل في الجسم عبر إنزيم MTHFR ليصبح نشطاً
  • الميثيل فولات: شكل نشط جاهز للاستخدام فوراً دون الحاجة للتحويل

من قد تستفيد من الميثيل فولات؟

  • النساء مع طفرة جين MTHFR: حوالي 40-60% من الناس لديهم نوع من هذه الطفرة، مما يقلل كفاءة تحويل حمض الفوليك العادي
  • من لديهن صعوبة في امتصاص حمض الفوليك
  • من يفضلن شكلاً أقرب للطبيعة

ملاحظة: كلا الشكلين فعال للوقاية من عيوب الأنبوب العصبي. حمض الفوليك التقليدي مدروس أكثر ويعمل بشكل ممتاز لمعظم النساء. استشيري طبيبك أو أخصائي التغذية إذا كنت تفكرين في الميثيل فولات.

الآثار الجانبية والمخاوف

الآثار الجانبية (نادرة عند الجرعات الموصى بها):

  • اضطراب معدي خفيف أو غثيان (نادر)
  • طعم مرّ في الفم
  • فقدان الشهية (نادر جداً)
  • صعوبة في النوم أو تهيج (نادر جداً)

معظم النساء لا تعاني من أي آثار جانبية عند تناول حمض الفوليك بالجرعات الموصى بها.

هل يمكن تناول جرعة زائدة؟

حمض الفوليك قابل للذوبان في الماء، مما يعني أن الجسم يطرح الكميات الزائدة في البول، مما يجعل الجرعة الزائدة الخطيرة نادرة جداً. الحد الأقصى الآمن للبالغين هو 1000 ميكروغرام يومياً من المصادر الإضافية (المكملات والأطعمة المدعمة)، ولا حد للفولات الطبيعي من الطعام.

المخاوف من الجرعات العالية جداً (أكثر من 1000 ميكروغرام يومياً لفترات طويلة):

  • إخفاء نقص فيتامين B12: الجرعات العالية جداً قد تخفي أعراض نقص B12 العصبية، لكن هذا نادر ويحدث عادةً عند جرعات أعلى بكثير
  • تفاعلات دوائية محتملة: مع بعض الأدوية مثل أدوية الصرع والميثوتريكسات

ملاحظة مهمة: الجرعة العالية 5000 ميكروغرام للنساء في الخطر العالي آمنة تماماً وموصى بها طبياً. القلق يكون فقط من الجرعات الأعلى بكثير المستمرة لفترات طويلة دون داعٍ طبي.

فوائد أخرى لحمض الفوليك (غير الحمل)

رغم أن أهميته الأكبر في الحمل، لحمض الفوليك فوائد صحية أخرى:

  • صحة القلب: يخفض مستويات الهوموسيستين، عامل خطر لأمراض القلب
  • الوقاية من فقر الدم: ضروري لإنتاج خلايا الدم الحمراء
  • صحة الدماغ والمزاج: يلعب دوراً في إنتاج النواقل العصبية، ونقصه يرتبط بالاكتئاب
  • تقليل خطر بعض أنواع السرطان: خاصة سرطان القولون والمستقيم (الأبحاث مختلطة)
  • صحة الجلد والشعر: يدعم تجدد الخلايا

نصائح عملية لتناول حمض الفوليك

  • اجعليه جزءاً من روتينك اليومي: اربطي تناوله بعادة يومية (مثل تنظيف الأسنان، وجبة الإفطار) لضمان عدم النسيان
  • لا يهم الوقت: يمكن تناوله في أي وقت من اليوم، مع أو بدون طعام
  • مع فيتامينات أخرى: آمن تماماً تناوله مع فيتامينات الحمل الأخرى، لكن تحققي من الجرعة الإجمالية
  • استمري حتى لو تأخر الحمل: لا ضرر من الاستمرار في تناوله
  • لا تتوقفي فجأة عند اكتشاف الحمل: استمري حتى نهاية الشهر الثالث على الأقل
  • أخبري طبيبك: عن جميع المكملات التي تتناولينها

فيتامينات ما قبل الولادة: الخيار الشامل

بدلاً من تناول حمض الفوليك وحده، تفضل العديد من النساء تناول فيتامينات ما قبل الولادة الشاملة التي تحتوي على:

  • حمض الفوليك: 400-800 ميكروغرام
  • الحديد: لمنع فقر الدم أثناء الحمل
  • الكالسيوم: لصحة العظام والأسنان
  • فيتامين D: لامتصاص الكالسيوم وصحة المناعة
  • أوميغا 3 (DHA): لنمو دماغ الجنين (في بعض المنتجات)
  • فيتامينات B الأخرى، فيتامين C، الزنك، اليود

هذا خيار ممتاز وأكثر ملاءمة من تناول عدة مكملات منفصلة.

الأسئلة الشائعة

ماذا لو لم أتناول حمض الفوليك قبل الحمل؟

لا داعي للذعر! ابدئي فوراً بمجرد اكتشاف الحمل. رغم أن البدء قبل الحمل هو الأمثل، تناوله خلال الأسابيع الأولى من الحمل لا يزال مفيداً جداً. معظم عيوب الأنبوب العصبي تحدث في الأسابيع 3-4، لذلك البدء المبكر قدر الإمكان مهم.

هل يحتاج الرجال لحمض الفوليك؟

بعض الأبحاث تشير إلى أن حمض الفوليك قد يحسن جودة الحيوانات المنوية وصحة الحمض النووي فيها، لكن الأدلة ليست قوية مثل النساء. مع ذلك، لا ضرر من تناول الرجل لفيتامين متعدد يحتوي على حمض الفوليك (400 ميكروغرام) عند التخطيط للحمل.

الخلاصة

حمض الفوليك هو بلا شك أحد أهم المكملات الغذائية للنساء في سن الإنجاب. قدرته المثبتة علمياً على تقليل عيوب الأنبوب العصبي بنسبة 50-70% جعلته توصية صحية عامة عالمية. البساطة والفعالية والسعر المنخفض لهذا المكمل تجعله استثماراً صحياً لا يُقدَّر بثمن.

الرسالة الأساسية: إذا كنتِ في سن الإنجاب وهناك أي احتمال للحمل (حتى لو لم تخططي)، ابدئي بتناول 400 ميكروغرام من حمض الفوليك يومياً. إذا كنتِ في فئة الخطر العالي، استشيري طبيبك حول الجرعة الأعلى (5000 ميكروغرام).

هذه خطوة بسيطة يمكن أن تُحدث فرقاً هائلاً في صحة طفلك المستقبلي. لا تنتظري حتى تحملي - ابدئي اليوم!

إخلاء المسؤولية الطبية

المعلومات المقدمة في هذا المقال هي لأغراض تعليمية فقط ولا تُغني عن الاستشارة الطبية المتخصصة. استشيري طبيبك أو أخصائي التغذية قبل البدء بأي مكمل غذائي، خاصة إذا كنتِ حاملاً، تخططين للحمل، أو لديكِ حالات صحية خاصة. الجرعة المناسبة قد تختلف حسب حالتك الصحية الفردية.

للاستشارات الغذائية المتخصصة للحوامل والمخططات للحمل، تواصلي مع د. مي عبيد عبر الواتساب: +961 81 337 132

د

د. مي عبيد

أخصائية تغذية سريرية

أخصائية تغذية سريرية معتمدة مع أكثر من 15 عامًا من الخبرة في مساعدة الناس على تحسين صحتهم من خلال التغذية السليمة والعلاجية.

هل تحتاج استشارة تغذية مخصصة؟

احجز استشارة مع الدكتورة ماي عبيد للحصول على خطة غذائية مخصصة لحالتك الصحية

تواصل عبر الواتساب

مقالات ذات صلة

المزيد من المقالات قريباً